ابن تيمية
46
مجموعة الفتاوى
مِن الصِّفَاتِ يَلْزَمُكُمْ فِيهِ نَظِيرُ مَا أَثْبَتُّمُوهُ فَإِمَّا أَنْ تُعَطِّلُوا الْجَمِيعَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ؛ وَإِمَّا أَنْ تُمَثِّلُوهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ غَيْرُهُ . وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِإِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا وَنَفْيِ الْآخَرِ فِرَاراً مِن التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ قَوْلٌ بَاطِلٌ يَتَضَمَّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّنَاقُضَ فِي الْمَقَالَتَيْنِ . فَإِنْ قَالَ : دَلِيلُ الْعَقْلِ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ : إنَّهُ دَلَّ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ ؛ دُونَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا : أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ ؛ فَهَبْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُ أَحَدِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالْعَقْلِ أَيْضاً وَلَا بِالسَّمْعِ فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ ؛ بَلْ الْوَاجِبُ إثْبَاتُهُ إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِهِ وَإِلَّا تُوُقِّفَ فِيهِ . ( الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةُ دَلِيلِ الْعَقْلِ عَلَى حُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ كَمَا يُقَامُ عَلَى مَشِيئَتِهِ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . ( الثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ : السَّمْعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَقْلُ لَا يَنْفِيهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ . فَإِنْ عَادَ فَقَالَ : بَلْ الْعَقْلُ يَنْفِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالْعَقْلُ يَنْفِي التَّجْسِيمَ . قِيلَ لَهُ : الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَنْفِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي أُثْبِتُهَا ؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِماً